كمال الدين دميري
94
حياة الحيوان الكبرى
ولم أر له أكثر من ذلك انتهى . وتوفي أبو الحسن بن الرومي ببغداد في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، وفيه خلاف . وكان سبب موته ، على ما قاله ابن خلكان وغيره ، أن القاسم بن عبيد اللَّه وزير المعتضد خاف من هجوه ، فدس عليه أبو فراس فأطعمه خشكنانة مسمومة ، فلما أحس بالسم قام ، فقال له الوزير : إلى أين تذهب ؟ فقال : إلى الموضع الذي بعثتني إليه ، فقال : سلم على والدي ، فقال : ما طريقي على النار . فأقام أياما ومات . الحكم : يحرم أكل الصقر لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير . قال الصيدلاني : اختلف في الجوارح ما هي ؟ فقيل : ما يجرح الصيد بناب أو مخلب أو ظفر ، وقيل : الجوارح الكواسب وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : الجوارح الصوائد . وهذا راجع إلى معنى الكسب انتهى . فجميع الجوارح عندنا محرمة ، لعموم هذا النهي المتقدم ذكره قريبا ، وذهب مالك إلى حلها ، وقال : ما لا نص فيه حلال ، حتى هدى بعض أصحابه ذلك إلى الكلب والأسد والنمر والدب والقرد وغير ذلك . وقال في الحمار الأهلي : إنه مكروه ، وفي الفرس والبغل إنهما حرامان ، احتجاجا بقوله « 1 » تعالى : * ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ) * الآية . وأجاب الشافعي عن ذلك فقال : يعني مما كنتم تأكلون إذ لا معنى لإباحة شيء مما لا يأكلونه ولا يستطيبونه كما لا يصح أن يحمل قوله « 2 » تعالى : * ( وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) * على ما هو حرام قبل ، وإنما يصح على ما يعتاد صيده . الأمثال : قالوا : « أخلف من صقر » « 3 » ، وهو من خلوف الفم بفتخ الخاء المعجمة وهو تغير رائحته ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « لخلوف فم الصائم عند اللَّه أطيب من ريح المسك » « 4 » . ووقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح ، والشيخ عز الدين بن عبد السلام ، رحمهما اللَّه تعالى ، في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة معا ، أم في الآخرة خاصة ؟ فقال الشيخ عز الدين : في الآخرة خاصة لقوله صلى اللَّه عليه وسلم في رواية « 5 » لمسلم « والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك يوم القيامة » . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : هو عام في الدنيا والآخرة واستدل بأشياء كثيرة فذكرها ، منها ما جاء في مسند ابن حبان بكسر الحاء المهملة ، وهو من أصحابنا الفقهاء المحدثين ، قال : باب في كون ذلك يوم القيامة ، وباب في كونه في الدنيا ، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت الصحيح ، أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لخلوف فم الصائم حين يخلف ، أطيب عند اللَّه من ريح المسك » . وروى الإمام أبو الحسن بن سفيان ، بسنده عن جابر رضي اللَّه تعالى عنه قال : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا قال : وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف
--> « 1 » سورة الأنعام : آية 145 . « 2 » سورة المائدة : آية 96 . « 3 » جمهرة الأمثال 1 / 352 . « 4 » رواه مسلم : صيام 160 . والنسائي : صيام 42 . « 5 » رواه مسلم : صيام 162 ، 164 ، والبخاري : صوم 2 ، 9 . والترمذي : صوم 54 .